ابن حجر العسقلاني

118

فتح الباري

كالخلاف فيما قبل الشرع وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء أحدها تعارض الأدلة كما تقدم ثانيها اختلاف العلماء وهى منتزعة من الأولى ثالثها ان المراد بها مسمى المكروه لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك رابعها ان المراد بها المباح ولا يمكن قائل هذا ان يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى بان يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القبارى عنه انه كان يقول المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه وهو منزع حسن ويؤيده رواية ابن حبان من طريق ذكر مسلم اسنادها ولم يسق لفظها فيها من الزيادة اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك ان يقع فيه والمعنى ان الحلال حيث يخشى أن يؤل فعله مطلقا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه كالاكثار مثلا من الطيبات فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق أو يفضى إلى بطر النفس وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية وهذا معلوم بالعادة مشاهد بالعيان والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول على ما سأذكره ولا يبعد ان يكون كل من الأوجه مرادا ويختلف ذلك باختلاف الناس فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم فلا يقع له ذلك الا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرر قبل ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال ولا يخفى ان المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهى في الجملة أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهى غير المحرم على ارتكاب المنهى المحرم إذا كان من جنسه أو يكون ذلك لشبهة فيه وهو ان من تعاطى ما نهى عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه ووقع عند المصنف في البيوع من رواية أبى فروة عن الشعبي في هذا الحديث فمن ترك ما شبه عليه من الاثم كان لما استبان له أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أوشك ان يواقع ما استبان وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه * ( تنبيه ) * استدل به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفى الاستدلال بذلك نظر الا ان أراد به انه مجمل في حق بعض دون بعض أو أراد الرد على منكري القياس فيحتمل ما قال والله أعلم ( قوله كراع يرعى ) هكذا في جميع نسخ البخاري محذوف جواب الشرط ان أعربت من شرطية وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ويمكن اعراب من في سياق البخاري موصولة فلا يكون فيه حذف إذ التقدير والذي وقع في الشبهات مثل راع يرعى والأول أولى لثبوت المحذوف في صحيح مسلم وغيره من طريق زكريا التي أخرجه منها المؤلف وعلى هذا فقوله كراع يرعى جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل للتنبيه بالشاهد على الغائب والحمى المحمى أطلق المصدر على اسم المفعول وفى اختصاص التمثيل بذلك نكتة وهى ان ملوك العرب كانوا يحمون لمراعى مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير اذنهم بالعقوبة الشديدة فمثل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية ان تقع مواشيه في شئ منه فبعده أسلم له ولو اشتد حذره